الدفتر الكبير

الدفتر الكبير ..

إنها الحرب ..

في الحرب يقتُل الناس بعضهم البعض.

عند سماع تلك الجملة في البرمو  المعد لعرض الفيلم المقتبس عن رواية الأديبة الهنغارية أغوتا كريستوف (الدفتر الكبير) يعم بداخلك صمت رهيب !!

هذه رواية لا ينتظر منها  أن تكون ذات تعبيرات أدبية أو وصفاً خيالياً أو مسحة من العاطفة فهي رواية كتبت بلغة جافة من صُلب الواقع ،صادمة حد الوجع ، تطالعها دفعة واحدة نظراً لما تمتاز به من سلاسة في سرد الأحداث .

هي رواية ترتكز الرواية على فلسفة ذكرها أحد التوأمين ابطال هذه الرواية إذ يقول

“على التأليف أن يكون حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله،الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة، الأحرى إذن الإعراض عنها، والإنصراف إلى وصف الأشياء، ووصف الآدميين “..

 1118616
غلاف الرواية

تسلط الرواية الضوء على قضية اجتماعيّة مهمة  وهي  الحرب وتأثيراتها على المجتمعات عامة وعلى الأطفال بشكل خاص ، كيف تؤدي الحروب إلى غياب الضمير وارتفاع نزعة الإجرام والاستغلال والعنف

صممت اغوتا على سرد  احداث هذه الرواية بدون ذكر اسماء فكل منهم يحمل صفة ما ، التوأمان الجدة المشعوذة الأسكافي ،الخوري ..ألخ ،لا تشير أغوتا في روايتها أين وقعت الحرب ومن هم المتحاربين ،فهي تريد أن تصل الرسالة للجميّع الحرب أي كانت اسبابها ،تقتل فينا كل ما هو إنساني ..

تبدأ الحكاية عندما تضطر أم التوأمين إلى تركهما مع جدتهما التي فقدت منذ زمن قيمها الإنسانية ، يتعلم الطفلين هناك كيف يتأقلمان مع الجوع والألم والبرد ومنظر الدماء ، هناك في تلك القرية الصغيرة كُل شيء مباح من اجل قطعة خبز او بضع قطعاً من النقود ..

شخصيات الرواية كلها مضطربة مشوهة انتهازية اقنعت نفسها ان الحرب تبيح كل شئ، تشعرك أغوتا منذ الوهلة الأولى أنه لا شيء على ما يرام فهناك ماسوشية وجنس محرم إمعانا في إظهار اضطراب شخصياتها وإحداث صدمة للقارئ لما تخلفه الحروب من أفعال منافية للأخلاق.

هناك إشارات خلال الرواية لما يعرف بالمحرقة التي تعرض لها اليهود ، وعمليات انتقام واسعة بعد انتهاء الحرب ..

العجيب في هذه الرواية أن اغوتا كتبتها بغير لغتها الأم  حيث اضطرت للهجرة من من هنغاريا إلى سويسرا في خضم قمع الاتحاد السوفياتي الثورة المجرية عام 1956 بالدبابات، فعايشت شعور نازحي الحرب وكان عمرها 21 عاماً ومسؤولة عن ابنه بالغه من العمر اربعة أشهر ،عملت خمسة اعوام في مصنع للساعات قررت بعدها ترك العمل والاتجاه لدراسة اللغة الفرنسية  فكانت تكتب هذه الرواية وتتعلم الفرنسية في الوقت نفسه ،لذلك تعرف رواية الدفتر الكبير بأنها الرواية  التي كتبت في الأصل من اجل التدرب لا غير ..

لعبة المغزل

منذ زمن خفت لدي الرغبة في التدوين أو الكتابة وبدأت تلك الخفة تطال الرغبة في الكلام وتبادل الحديث مع المحيطين ،إلا أن الدهشة التي أصابتني وأنا أقلب أخر ورقات رواية “لعبة المغزل ” أجبرتني على الكتابة رغم محاولاتي المتكررة لإغفاء الأفكار التي ولدت من رحم أحداث الرواية في عقلي .

 

12106225_906350399448330_357491840_n

ربما ما يميز حجي جابر قبل أن أتحدث عن الرواية هو عمله الدؤوب خلال هذه الرواية والروايتين السابقتين “سمراويت ” و”مرسى فاطمة ” لولوج تاريخ إرتريا ،الجزء المفقود من هويته وهويتها العربية .

وكعادة حجي التي دأب عليها في جميع رواياته السابقة هو مركز الحكاية ..” قصة حب” ، ولم يخالف الكاتب عادته في “لعبة المغزل ” إلا أن التقنية التي استخدمها حجي هذه المرة تربك القارئ في البداية وتدهشه حد الذهول في نهاية الرواية

حجي قرر أن يجعل نهاية الرواية هي بدايتها ليمسك بعدها بعقل وروح القارئ عبر سرد جميل لأحداث الرواية ،سرد ثنائي يفسر بأناقة كيف وصلت شخوص الحكاية إلى تلك النهاية المؤلمة ، ثم قرر حجي أن هذه المفاجئة في نهاية الولى لا تكفي ..فقرر أن يكتب نهاية ثانية يرمي فيها السارد بأسهم الشك نحو القارئ

ليجعلنا نحن المساكين نتساءل أين الحقيقة ؟

كان حجي حقاً في هذه الرواية يتلاعب بالمغزل الذي تنسج منه الحكايات ويعيد طرح السؤال الأثير :من يكتب التاريخ ؟

ليحيلنا إلى الجواب “المنتصر هو من يكتب التاريخ ”

ماذا لو كانت السلطة التي نرضخ تحتها هي من تكتب التاريخ وتزوره

ماذا لو اطلعنا على الحقيقة والتي بكل حال ستسقط رموزاً ماذا سنفعل ؟!

سيقول بعضكم ..عن ماذا تحكي الرواية

تحكي الرواية عن فتاة شابة جميلة ترى أن جمالها سلاح لا يقاوم و أن جميع أحلامها يجب أن تحقق تعيش في كنف جدتها التي تسامرها كل ليلة بحكاية من حكاياتها على هدير آلة الخياطة ، تقود الأقدار الفتاة للعمل في مؤسسة حكومية تعمل على نقل الوثائق السرية التي تتحدث عن تاريخ الثورة من الورق إلى أجهزة الحاسب ، ترى الفتاة أن ما تحمله الوثائق ممل ولأنها تظن أن كل شيء مباح أمامها توغل في إعادة كتابة تلك الوثائق حتى أنها تقوم بإعادة كتابة الوثائق الخاصة بسياة الرئيس ..

لن أكمل أكثر  ..لا أرغب في سرقة الدهشة منكم عندما تقع الرواية بين أيديكم

يختم حجي النهاية الأولى بهذه الجملة

أما بعد :

” هذه الحياة مملةٌ أكثر ممّا ينبغي ” .

العصيـــان المـــدني..وليبيا !

تكررت الدعوات في ليبيا حول العصيّان المدني رغم أن نجاح العصيّان يعتمد على أن الدولة تعتمد بشكل أساس على الضرائب أو الأعمال التي يؤديها أفراد الشعب ، والتي إن توقفت تؤدي إلى اضرار كارثية باقتصادها !
قبل الدخول في تفاصيل الحالة الليبية سنتحدث قليلاً عن تاريخ ظهور مُصطلح (العصيان المدني ) ، ظهر هذا المصطلح — Resistance to Civil Government «مقاومة الحكم المدني» (1849) وهي من اهم المقالات التي كتبها المفكر الأمريكي (هنري ديفد ثورو) بعد قضائه ليلة واحدة في السجن واعاد نشرها تحت عنوان «العصيان المدني» وكانت المقالة تُحرض على العمل بأسلوب العصيّان المدني لانتزاع الحقوق ورفض الظلم وكانت ملهمة لكثير من قادة حركات التمرد والعصيان المدني.
ثورو المولود عام 1817 ببلدة كونكورد بالجنوب الأمريكي يعبر عن نفسه ويقول ” أنا متصوف، تجاوزي، وفيلسوف طبيعة من قمة رأس إلى أخمص قدميّ” ارتبط بصداقة قوية مع المفكر “رالف والد أمرسون ” صاحب الفلسفة المثالية المتعالية ذات النزعة التصوفية الفردية وقد تأثر به أيما تأثر ، ولعل العمل المسرحي الرائع الذي قام بتأليفه (جيروم لورنس وروبرت) بعنوان ”الليلة التي امضاها ثورو في السجن والتي تدور حكايتها بين كل من هنري ديفيد ثورو و صديقة الشاعر أمرسون عندما زاره في السجن حينما كانت تنفذ به عقوبة التي صدرت بحقه نتيجة رفضه لدفع الضرائب لأنه يجد أن عائدات تلك الضرائب تساهم في دعم الذل (الرق والعبودية) .
وما إن التقيا عبر القضبان حتى صرخ هذا الأخير بالكاتب السجين:
هنري… ماذا تصنع هنا خلف القضبان؟
ليكون جواب ثورو بلهجة أكثر استنكاراً:
بل أنت يا والدو… ما الذي تصنعه خارج القضبان؟!!.
وبالتأكيد حوار مثل هذا لم يكن عبثياً بل هو محاولة من ثورو لإفهام أمرسون وغيره أن المثقف من واجبه ان يقف ضد الظلم وألا يُطيع من يشرعنه.

هنري ديفد ثورو

ولا شك أن ثورو ومقالته كان له أشد التأثر على قادة حركات التمرد والعصيان المدني كغاندي ومارتن لوثر كينغ مما مكنهم من انتزاع حقوقهم انتزاعاً
ولنأخذ مارتن لوثر كينغ وحركته المناهضة للتمييز العنصري كمحل للتساؤل ،لماذا نجحت هذه الحركة في انتزاع حقوق الأفارقة السود الامريكيين ؟
ولعل الجميع قد سمع بتلك الحادثة التي حصلت في كانون الأول/ديسمبر عام 1955، حين رفضت (روزا باركس ) وهى سيدة سوداء أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها.إثر هذا الحادث نادى كينغ بمقاطعة شركة الحافلات وامتد ذلك عاما كاملا أثر كثيرا على إيرادات الشركة، وأدى إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

روزا باركس ومارتن لوثر كينغ

اليوم نرى الداعيين للعصيان المدني في ليبيا والذين تلقفوه هذه الدعوة من صفحة على الفيس بوك لا نملك ابسط المعلومات على القائمين على إدارتها وماهي خلفياتهم ،يدعون لإغلاق المؤسسات الحكومية من جامعات لمدارس لمطارات ،لأغلاق الأسواق وكأن بفعلهم هذا سيؤثرون على المؤتمر أو الحكومة باعتبارهم المستفيد والمتستر الأول حول ما يحدث في مدن ليبيا من قتل واغتيال وتردي للأوضاع الأمنية!
رغم خروج أحدهم على احدى الشاشات الفضائية ليفضح الفساد المستشري في المؤسسة الأمنية في بنغازي وطبع اً هذا الفساد يطول كافة المؤسسات الأمنية في ليبيا من ناحية تبذير ونهب المال العام والقاء اللوم على الدولة في تعطيلهم ولم نرى احتجاج او اعتصام واحد امام تلك المؤسسات تطالب بإعادة هيكلتها ومحاربة الفساد فيها !
ورغم أن المتضرر الأول من المطالبة بالعصيان المدني هو المواطن البسيط فعلى ارض الواقع لا يقدم المواطنين الى الدولة اي شيء يجعلهم أداة للضغط عليها ،فأغلب الموظفين بالأصل لا يداومون في أعمالهم ويقفون اخر الشهر امام المصارف لاستلام مرتباتهم ، واغلبهم يعتمدون على الدولة اعتماداً كلياً وحتى الضرائب التي يقدمونها للدولة لا تمثل شيئاً في ميزان التأثير الاقتصادي . وكما تعودنا سينتهي هذا العصيّان بضرر للطرق المتهالكة اساساً بفعل اشعال الإطارات
ويبدو ان المواطن الليبي لا يدرك الأزمة المقبلة عليها ليبيا والأخبار التي يتم تداولها حول الاتجاه إلى الاقتراض من البنك الدولي ،والارتفاع الغير طبيعي لقيمة صرف العملات ،والتجاء المصرف المركزي للسحب من المصروف الاحتياطي وتأثيرات توقف تصدير النفط والذي ان لم يرجع إلى مستواه المعتاد قبل الربع الثاني لـ2014 سندخل في أزمة اقتصادية حادة ،وكذلك الأزمة السياسية مع الشقيقة مصر والتي انتقلت لمستوى جديد عندما عرضت قناة cbc) ) فيديوهات تقول أنه للأماكن تدريب للجيش المصري الحر وتدعو لتدخل الجيش المصري في ليبيا وخصوصاً برقة بعد تكرار كل من عبدالفتاح السيسي لخطر الإرهاب القادم من شرق ليبيا وتشديده انه جاء ليحافظ على أمن المنطقة ككل و استمرار الجوقة الإعلامية لمصر الجديدة من حسنين هيكل للمسلماني لغيرهم في التحريض المستمر للتدخل عسكرياً في برقة !!؟
وبعد هذا السرد الطويل ،يجب أن يسأل دعاة العصيان المدني في ليبيا أنفسهم ،هل العصيان المدني يأتي بالنتائج المرجو منه أم أنه مجرد فعل لزيادة احتقان المواطن وتشتيت تركيزه بعيداً عن مواضيع ثانية !

برقة ونسيجها الاجتماعي هو الهدف !

ليبيا قبيلة واحدة

القارئ للتاريخ يعرف ان برقة موطن قبائل العربيه النجدية الأصل”هي السعادى والهنادي والمرابطين/تقسيم القرن 15″ ويعرف حكاية تجريدة حبيب المشهورة في الموروث البرقاوي والتي أتت ببعض السُكان من ذوي الأصول الغرباوية ، ويدرك أن هذه المساحة الجغرافية هي بوتقة ليبيا حيث انصهرت فيها كل قبائلها ، واكثر مناطقها استقرار وتكافل اجتماعي ،وإن بنغازي مركز هذا التلاحم الاجتماعي الذي حافظ على ترابط ليبيا في اشد لحظاتها التاريخية .
منذ عامين تقريباً و انا أُتابع كتابات أحد المنظرين للفيدراليّة في الشرق والذي كان معترفاً أنه انفصالي الهوى تفاجأت بطرحه لفكرة إعادة تشكيل الديموغرافيا في برقة ، وطرد ذوي الأصول الغرباوية منها ، ودخلنا في جدال كبير حول الموضوع وتداعياته على وحدة ليبيا لأكتشف انه يستخدم الفيدرالية كوسيلة فقط للانفصال الكامل ، بدأت بعدها تلم الصفحات التي تتستر باسم برقة الجهاد في تكرير عدة مصطلحات حول ذوي الأصول الغرباوية ،لاجئين ،حضور ، تجريدة حبيب ، مزارته (مصارته )، وقد وجدت افكارهم ومصطلحاتهم رواج بسبب ترسبات العهد السابق الذي احدث شرخ كبير بين الشرق والغرب والذي اعادة هذه الثورة ترميمه مؤقتاً قبل أن تعود الصراعات السياسية والقبلية في إظهاره من جديد .
لتتدرج النظرة من منظري الحراك لصفحات المحسوبة على الحراك إلى القاعدة الشعبية التي تتحرك تبعاً للعاطفة لنرى دخول لاعبين اقليميين احدهما عربي والاخر غربي ، يتمثل في مصر وبريطانيا ، وبدأنا نسمع في الإعلام المصري تكرار عبارة أن برقة هي الامتداد التاريخي لمصر ، افتتح هذه التصريحات هيكل والمسلماني وبدأت الجوقة الإعلامية في تكريرها حتى ان احد قادة الحراك الفيدرالي في لقاء مع صحيفة اليوم السابع اعلنها صريحةً ،وطالب بتدخل الجيش المصري في برقه ، لتكشف لنا حادثة الناقلة تواطئ دولي على مستوى عالي يُقال أن بريطانيا تقوده نظراً لوصايتها على اقليم برقه بعد هزيمة الدولة الايطالية ، وتحدث نفس المُنظر بإعادة تشكيل ديموغرافيا لبرقة ،عن اعادة تفعيل الاتفاقية التي كانت موجودة بين اقليم برقة وبريطانيا بما انها ( الخيار الأكثر واقعية امام اقليم برقة في ظل موجة من التقلبات الدولية التي تلقي بظلالها على استقرار و امن الاقليم هو البحث عن حليف دولي جديد فربما المملكة المتحدة تتوفر فيه الشروط الأقرب إلى التحقق مع اقليم برقة فهي من ساهمت في تحرير الاقليم ابان الحرب العالمية الثانية و هي من ساعدت في استقلال الاقليم في يونيو 1949 )

نسيج برقه الاجتماعي الحصن الحصين لبقاء ليبيا دولة موحدة يجب ان يدرك ذلك اهلها واهل ليبيا جمعاء ، إن تمكن اعدائنا من تفتيت هذا النسيج فأنه سيكون إيذان بانفصال ليبيا بعد حرب أهليه لن ينتصر فيها أحد . وان حل المواجهة والصدام لن يؤدي إلا الى ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلام بين القوسين لصاحب الطرح !

شعبي ما بعد الحرب

كنت قد وقعت بالصدفة على كتابٍ في مكتبة بشارع العروبة لم ابحث عن اسمها يوماً رغم ترددي الدائم عليّها لرخص كُتبها مقارنة بالمكتبات الثلاث الأخرى في مدينة البيضاء، كان الكتاب سيرة ذاتية لمحمد أسد “الطريق إلى مكة ” وخلال مطالعتي للكتاب الذي يتحدث عن سيرة حياة رجل نمساوي ترك بلده ليبحث عن عوالم أخرى ،وليبحث عن (نفسه) لينتهي به الأمر كمبعوث لباكستان في مقر الأمم المتحدة بنيويورك ،
ظهرت عبارة “الخواء الرُوحي” والتي جاءت ضمن ما نقل الكاتب عن الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى والتي أنهكت أوروبا وأثرها الشديد على اجيال من الشباب الأوروبي حيث يقول “كانت العقود الأولى للقرن العشرين تصطدم بالخواء الروحي للأجيال الأوروبية ،كل القيّم الأخلاقية التي اعتنقتها الأمم الأوروبية على مدى قرون عديدة أصبحت هشة متداعيّة تحت وطأة التداعيات المرعبة لما حدث بين عامي 1914 و 1918 وهي السنوات التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى ،في الوقت الذي لم تبد فيه أي قيم روحية جديدة في أي أفق ،كانت مشاعر الهشاشة وعدم الإحساس بالأمان متفشية بين الجميع – إحساس داخلي بالكارثة الاجتماعية والفكرية التي أصابت الجميّع ” وأردف قائلاً “في مجري التفكك والانحلال العام للقيم الأخلاقية التي كانت راسخة قبل الحرب العالمية ،تحللت كوابح وقيود كثيرة كانت تسود العلاقة بين الجنسين”.
وأنا اقرأ هذه الكلمات كان من المستحيل أن ابعد عن تفكيري ما يحدث الآن على أرض الواقع في ليبيا بعد حرب اكتسبت نفس الثورة ورفع الظلم لتواجه آلة عسكرية وفي خضم الصراع ،انشق الشعب بين مؤيد للثورة ورافض لها بحجة المؤامرة والاستعمار، و أدى ذلك من تواجه بين افراد الشعب و سقوط أول القيّم “حرمة الدم بين الأخوة” وبذلك فقدت الثقة المتبادلة بين افراد الشعب أو اصبحت هشة.
صورة ارشيفية لمحرقة معسكر اليرموك

يقول علماء الاجتماع أن الفرد يكتسب شخصيته و يوثق قيمهُ وتبدأ أفكاره ورؤيته للحياة بالنضوج مع بداية مرحلة الشباب وأن الحروب القاسية تترك صدمة وجرح غائر في أرواح من يشاركون فيّها ،و لا توجد احصائية دقيقة اعتمد عليها لذكر العدد الصحيح من الشباب الليبي الذي شارك في معارك طاحنة على مدى شهور رفع فيها السلاح على أخِ له في بعض الأحيان ، أو جمع أشلاء رفيق مقاعد الدراسة ودفنه على عجل ،وكيف أن هؤلاء يحتاجون لعلاج نفسي للخروج من حالة الصدمة التي وقعوا فيها وأن انكروا أنهم واقعون فيها ، ولعل البعض اصابه القلق الروحي ولم يجد أحداً من أهل العقل يجيب عن اسئلته حول سقوط بعض القيم الأخلاقية المقدسة فاجتاحت بعضهم تيارات الحادية ولا اقصد هنا الحاد بالدين فقط ولكن بالقيم الإنسانية السامية ككل ،ستزداد مع الوقت اعداد هؤلاء الملحدين
صورة ارشيفية لجثامين المفقودين بعد عام من الثورة

في هذه الفترة نلاحظ جميعنا عدم الاتزان او معرفة الشعب لترتيب اولوياته لبناء الدولة التخبط واضح من اعلى السلطة ويمتد إلى القاعدة ،كثرة مبادرات واقتراحان نثمن جهود القائمين عليها ولكن جميعها تصعد بكرة ثلج هائل منحدر شديد سيأتي يوم تخور قوتنا ونتوقف عن دفعها فتعود لتدهسنا جميعاً ، كذلك نلاحظ التفسخ الأخلاقي في معاملات وكتابات البعض وكذلك حديثهم وكأنه اصبح مرادفاً للحرية والتحرر عند الشباب ،عقود من الكبت اطلق مُعتقلوها دون أساس متين من القيم الأخلاقية ،جعلتنا نسأل ماذا حدث لهذا الشعب ،ماذا حدث للإنسان في هذا الشعب

كُلنا فقدنا شيئاً في هذه الحرب ،شيئاً من توازننا ، من المنطق ،
وكما يُقال” من الممكن طبعاً أن تنجو بنفسك من حرب كهذه ..
لكن أن تنجو بإنسانيتك بعد كل ما يحصل ..
فتلك ستكون المعجزة !

الطفلة الصغيرة ..أديث بيّاف

الطفلة الصغيرة…..أديث بيّاف

غلاف لكتاب "بياف، أسطورة فرنسية" صدر عن "دار فايار" للمؤلف روبير بيلوري
أديت بيّاف تحمل في صوتها باريس بشوارعها ومقاهيّها، بحدائِقها وأهازيجها ،صوتها الأنيّق يختزل أناقة باريس ،جسم صغير اسكنه المرض حمل فرنسا إلى العالم
ولدت في 19 من ديسمبر من 1915 بمستشفى (تينون)،امها ذات جذور مغربية والدها (هو لويس ألفونس جازون) عارض بهلواني في الشوارع إضافة إلى كونه مسرحي وهو من اصول إيطالية، تُركت اديت بيّاف حديثة السن من قبل والديها وعهد بها إلى جدتها من جهة الام عائشة سيد بن محمد (ذات أصول مغربية من مدينة الصويرة).
..من شارع “لابيغال” سيء الصيت ..ظهرت موهبة بيّاف في الغنّاء ،ومن “”كاباريه جيرني” في شارع “الايتوال” في باريس يلتقطها لويس لوبلي مالك الكباريّة لتبدأ مسيرتها ويطلق عليها اللقب الذي التصق بها طوال حياتها ،لموم ‘La Môme’ أي الطفلة الصغيرة لقصر قامتها التي لم تتجاوز 142 سنتيمتراً . بعدها كان هناك منعطف في حياة بيّاف فقد قُتل لويس لوبلي وكانت من ضمن المشتبه بهم الذي تم توقيفهم .
ظهر في حياة بيّاف رجل اسمه “جاك بورجا” الذي سيكون له دور مهم في حياة بيّاف ، فقد أصبح مرشد بياف وأستاذها وصديقها المقرّب الذي تَفشي له بكل أسرارها. والذي قرر في أيامه الأخيرة أن يهب جزءاً كبيراً من رسائل اديت بياف الموجهة إليه إلى “المكتبة الوطنية”
اديت بيّاف

كان في ذاكرة بيّاف جرح مخفي كبير جعلها تُعاقر الخمر وتغوص في حالة اكتئاب دائمه وهو وفاة ابنتها مارسيل صغيرة بفعل التهاب السحايا ،استطاعت بيّاف أن تتجاوز حزنها مؤقتاً بعد تعرفها على الملاكم الفرنسي العالمي “مارسيل سيردان ” الذي التقته في أمريكا وعاشت معه قصة حُب اشبه بالخيالية , إلاّ ان وفاته المفاجئة إثر حادث تحطم طائرته القادمة من باريس عندما كان قادما لزيارتها جعلها تصاب بهذيان كبير، تعرضت من بعده لحادث سير أدى إلى كسور في جسدها جعل منها مدمنة على المورفين الذي كان يستخدمه أطبائها لتسكين أوجاعها.

صورة تجمع مارسيل سيردان وبيّاف

بعدها أمضت بيّاف حياتها في نكسات وتخبطات وظل حولها فئة محدودة من الأصدقاء حتى توفت في 11 تشرين الأول 1963 عن عمر يناهز 47 عاماً ،نتيجة أصابتها بيّاف بتشمع في الكبد وشلل جسدي واكتئاب حاد .

وتعتبر أغنية ” لا لست نادمة على شيء 1960″ ‘Non je ne regrette rien ‘.”الفنية و قد لخصت تلك الأغنية نوعاً ما حياة بيّاف البائسة.

سجلت في ربيع 1963 آخر أغنياتها “رجلٌ من برلين” قبل أن تفارق الحياة وتدفن الى جوار ابنتها في أكتوبر من العام نفسه. ورغم إن الكنيسة الكاثوليكية في باريس قد امتنعت عن إقامة قداسٍ رسمي على وفاتها (بسبب ملاحظاتها على أسلوب حياتها) فقد شهدت باريس واحدةً من أضخم المسيرات الجنائزية في تاريخها وتدفق عشرات الآلاف من مواطنيها الى الشوارع والساحات لتوديع مطربتهم العظيمة

التفكير السلبي في مواقع التواصل الاجتماعي يحجب تداول الأخبار الإيجابية

Optimists and Pessimists signpost

المتابع للصفحات الليبية على شبكات التواصل الاجتماعي سواء كانت عامة أو تابعة لأشخاص ،والمتفاعل مع عامة الشعب في المدارس والجامعات والمقرات الحكومية يكتشف أنه يعيش بين مجتمعين ،مجتمع فيس بوكي يُصدر كل الأخبار السلبية وكأني به يحمل شعار “أنا متشائم إذاً أنا ليبي ” ومجتمع متفاعل مع الحياة أهم أولوياته توفير حياة كريمة لعائلته وتوفير نظام صحي وتعليمي عالي المستوى لأبنائه ..مُجتمع أنغمس في السياسة والتحليل والشائعات ومجتمع لا يأبه حقيقةً لما يحدث في أروقة المؤتمر من تجاذبات سياسية وكل همه القوانين التي تُسير حياته اليومية .
التفكير السلبي المتمثل في (ثقافة التشاؤم في مواقع التواصل الاجتماعي ) حيث يغيب عنهم مشاركة أخبار إيجابية كفوز طبيب ليبي بجائزة حمدان الطبية لعمله على بحث يتعلق بعلاج الشلل الارتعاشي (البركنسون) ،أو فوز أحد الأطباء بوسام ما في المملكة المتحدة ، او خبر عن استكمال أحد المشاريع ، او مبادرة انسانية من أحدى الجمعيات ..ألخ و ثقافة التشاؤم هي نفسها التي منعت بعض النشطاء وبعض الإعلاميين وبعض المتفاعلين في مواقع التواصل الاجتماعي من الإشارة إلى دراسة قام بها “المعهد الديمقراطي الوطني”National Democratic Institute وهي عبارة عن دراسة شملت لقاءات مباشرة مع 1200 مواطن ليبي في فترة ما بين 10 إلى 30 مايو 2013 م وتم اختيار 1200 مواطن بطريقة عشوائية من 13 محافظة ليبية .الدراسة تحمل عنوان
Believing in Democracy: Public Opinion Survey in Libya
وقد نشرت على موقع المعهد في 19 اغسطس 2013م، ولنأتي لذكر ما ورد تباعاً في تلك الدراسة تقول الدراسة أن 62% من الليبيين متفائلين Optimistic وأن 19% من الليبيين متفائلين جــداً Very Optimistic،وهذا يجعل تيار المتفائلين في ليبيا يكتسح تيار المتشائمين بنسبة 81%، بينما المتشائمون كان نصيبهم 19% فقط .
ووجد أن مخاوف المتفائلين تتمحور حول ثلاث نقاط :الاستقرار السياسي ،نزع السلاح ، الأمن ورغم مخاوفهم يدركون أن المسألة تحتاج إلى وقت .
ومع الإحداث الأخيرة في مصر وتنادي بعض الأصوات إلغاء الأحزاب في ليبيا ونزع الشرعية عن المؤتمر إلا أن 63% من الليبيين يرون ان أداء المؤتمر يمكن تصنيفه بين الجيد جداً والجيد ،ويرى 83% من الليبيين أن الحكومة تعتبر الأداة الأفضل للديمقراطية وأقرب تعريف للديمقراطية وللحقوق والحريات .
كما يرى 86% من الليبيين أن الأحزاب السياسة ضرورية للعمل الديمقراطي ولكن 59% يظهرون عدم ثقتهم في هذه الأحزاب ويرون أدائها منخفض
وقد اتفق 83% من المشمولين بالدراسة أن انتخابات 2012 والتي أتت بالمؤتمر الوطني العام كانت انتخابات عادلة وحرة وشفافة .
وكما ذكر “ديرك فاندويل” أستاذ مساعد لإدارة الأعمال في كلية دارتموث وهو المتخصص منذ 20 عاماً في دراسة التاريخ الليبي الحديث وقد كتب مقالته بعد اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي وتم نشرها في مقالة بعنوان After Qaddafi: The Surprising Success of the New Libya ،تفاؤل حذر: هل أفلتت ليبيا بعد الثورة من سيناريو الدولة الفاشلة؟ في موقع Foreign Affairs اقتطفنا منها هذا الجزء: (لكن الآن، وخلافاً للتوقعات، تبرز ليبيا كواحد من أنجح البلدان التي تخرج من الانتفاضات التي هزت العالم العربي على مدى العامين الماضيين. ففي 7 يوليو 2012 ، أجرت ليبيا أول انتخابات وطنية تشهدها منذ سقوط القذافي، صوّت خلالها المواطنون في سلام لاختيار المؤتمر الوطني العام الجديد المؤلف من 200 عضو. وبعد ذلك بشهر واحد، قام المجلس الانتقالي الوطني- الذي برز بصفته القيادة السياسية للمعارضة أثناء الأيام الأولى من الحرب الأهلية – بنقل صلاحياته رسميًا إلى المؤتمر الوطني العام. وسوف تتولى الآن لجنة مهمة صياغة دستور البلاد الذي سيُطرح بعدئذ على الشعب في استفتاء عام. وقد سارت كل هذه التطورات وفق الجدول الزمني الذي وضعه المجلس الانتقالي الوطني في خضم الحرب. هناك صعوبات هائلة في الطريق، لكن السلاسة غير المتوقعة للتحول السياسي في ليبيا، حتى الآن، تمثل إنجازًا بالنسبة لبلد لا يزال يترنح، نتيجة عقود من ديكتاتورية القذافي))..
إذا إلى المتشائمين من بني قومنا يقول أحدهم “التشاؤم علامة العجز ،فنحن نُصبح متشائمين عندما نشعر بعجزنا عن السيطرة ” ،فاجعل قاعدتك في الحياة “أنا ليبي إذاً أنا مُتفائل ” وكُن من أصحاب التفكير الإيجابي فتشاؤمك لن يُغير شيئاً و حاول ان تجعل لصفحتك ولأحاديثك اليومية نصيباً من بعض الأخبار الإيجابية وانظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس .

دور المثقف الليبي في البناء “في ذكرى التحرير الثانية”

دور المثقف الليبي في البناء “في ذكرى التحرير الثانية”

431050_333085513399215_722031057_n

غداً تحل الذكرى الثانية لتحرير ليبيا او كما يحلو للبعض عيد الزواج بأربعة بعد 9 أشهر من اندلاع شرار الثورة في السابع عشر من فبراير أو الخامس عشر من فبراير ،تحرير صوري أم تحرير حقيقي كما يسميه البعض ،عندما تأتي لحدث مهم كهذا وتجد اختلاف الشعب حول تسميته وتعريفه تُدرك حقاً مقدار التشتت والضياع الذي طال الليبيين نتيجة 9 أشهر من القتال الضروس ،للحروب آثار نفسية ويبدو أن الشعب الليبي تأثر من هذه الحرب وزاد الوضع الحالي الذي تمر بيه ليبيا من زيادة التشتت والضياع ،الكل متذمر والكل فقد الأمل في انشاء الدولة التي انشدوا لها الأغاني مع بداية انطلاق الشرارة المختلف على موعدها ومكانها ايضاً، لن نتكلم عن الأداء الحكومي التنفيذي الضعيف ولا الأداء التشريعي المتمثل في المؤتمر الذي يحمل صفة الضعف ايضاً ولا الانفلات الأمني وازدياد نسبة الاغتيالات وتبادل الاتهامات ،و لا المصطلح الذي اضافه زيدان الى القاموس السياسي الشعب الليبي المتمثل في “المماحكات” السياسية ،فالمماحكات طالت كل شيء في ليبيا واصبحت اسلوب حياة هنا .
لكن لنتكلم عن فترة الثورة قليلاً تلك الفترة التي جمعت القلب على القلب ولعل جمعها كان بسبب التخلص من ظل رجل طغى على دولة كاملة واخفاها بين ثنايا عباءته السوداء ، ظننا كُلنا أن بناء الدولة سهل جداً وأن كل الشر يتجمع في ثنايا روح ذلك الطاغية متناسيين أنا سنواجه تركة عظيمة من الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة والبطانة المحيطة به التي لن تسلم بسهولة لغياب عباءة العقيد ، النظام الإقليمي المتصل بهذا الرجل ، مخاوف الدول ان تمكنت ليبيا من تأسيس نظام ديمقراطي عادل يغري شعوب لها نفس سمات ووضعية الشعب الليبي بنفض عباءة طغاتها هي ايضاً. .ووجدنا انفسنا بعد التحرير بدل أن نلتفت لبناء الدولة نصارع كيانات ودول ترغب في ارهاق وتشتيت شعب مرهق ومشتت في الأصل
في العالم يقال إن البلدان المصدرة للنفط مكتوب عليها الاستبداد والركود تحت قاعدة لعنة الموارد الطبيعية وليبيا إلى الآن تحاول أن تكون استثناء وتثبت للجميع ما قاله ارسطو يوماً “من ليبيا يأتي الجديد”
لنأتي لما يمكن أن نقوم به كشعب وسأتكلم عن طبقة مهمة غائبة عن الحراك الوطني لنشوء الدولة : يُدرك الجميع أننا نفتقد لطبقة المثقفين الحقيقيين ودعوني اوضح معنى التعريف الحقيقي لكلمة مثقف ودوره كما جاء على لسان المفكر الفلسطيني إدوار سعيد “فمفهومي لمصطلح المثقف أو المُفكر يقول أنه ,في جوهره , ليس داعيةَ مُسالمةٍ ولا داعية اتفاق في الآراء, لكنه شخص يخاطر بكيانه كله باتخاذ موقفه الحساس, وهو موقف الإصرار على رفض الصيغ السهلة , والأقوال الجاهزة والتأكيدات المهذبة القائمة على المصالحات اللبقة والاتفاق على كل ما يقوله وما يفعله أصحاب السلطة وذوو الأفكار التقليدية.ولا يقتصر رفض المثقف على الرفض السلبي, بل يتضمن الاستعداد لإعلان رفضه على الملأ وهو ايضاً” المثقف هو الشخص الملتزم والواعي اجتماعيا بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه وما يتبع ذلك من دور اجتماعي فاعل من المفروض أن يقوم بتصحيح مسارات مجتمعية خاطئة”
لو كان لدينا هذه الطبقة لكانوا اول المسامير وأهمها الضاربة في تابوت النظام الجماهيري ولكن كلنا نعرف ما سمة المثقفين الذين نمتلكهم حالياً ، وكما يذكر إدوارد سعيد “يجب دائما على المرء أن يبدأ مقاومته من وطنه ضد السلطة كمواطن يمكنه التأثير”، لماذا كان من الأهمية وجود مثقفين من هذه النوعية ببساطة وكما فسر ادوار مرة اخرى هذا الأمر على ان المثقف شخص ملتزم بمبدأ واعي اجتماعياً هذا الوعي يمكنه من رؤية المجتمع والوقوف على مواطن الخلل وملامح المشكلة فيقوم بتصحيح مسار هذا المجتمع من خلال تبنيه مشروع معين يُطبقه على أرض الواقع وليس في الفنادق . وجود مثقفين من هذا النوع كان سينشأ مع مرور الوقت تيار واعي ضاغط كان بحلول نهاية الثورة سيملأ الفراغ ويوجه الشارع الليبي الى النقاط المهمة والخطوات اللازمة لبناء الدولة بدل استنزاف ما تبقى من قوة وصبر هذا الشعب في اشياء تزيد من تشتته وضياعه .
نأتي للحل على مستوى الطبقة القيادية ولا ضير ان نعترف أن الجميّع قد فشل ،المطلوب حالياً لبناء الدولة وإظهار الهوية الوطنية ان نمتلك قيادة جيدة، وروح جماعية مستعدة للتوافق على اسس صحيحة ،قيادة تُدرك كيفية خلق توازنات مع القوى الإقليمية المحيطة بليبيا ، قيادة لا تشعر بالخجل من طلب المساعدة من الأمم المتحدة لبناء مؤسسات الدولة ،قيادة تؤسس لخطاب جامع مستمر يحاول اخراج الليبيين من التشتت والضياع ،قيادة تعيد ترميم الثقة المفقودة بين الحاكم والمحكوم ،كل ذلك يُدرك أي عاقل أنه يحتاج لوقت يعتبر طويل عند بعض الليبيين ولكن هكذا تبنى الدول .

يرى البعض ان الذكرى السنوية لعيد التحرير مع اوضاع البلاد السيئة شيء يدعو لفقدان الأمل من دولتنا ،ولكنها مناسبة لإعادة ترتيب اولويات هذا الشعب والقيادة الموجودة حالياً .
يجب ان يكون خطاب التحرير بعيد كل البعد عن اجترار تاريخ تلك المرحلة المشرفة من الثورة والتذكير بمساوئ ذلك الطاغية دون استخدامها في اعادة قراءة المشهد لتوضيح الصورة للشعب ليدركوا ما يُحاك لهم حقاً من قبل بعض القوى الإقليمية يجب ان يكون اجترار له فوائد وليس فقط لملء الفراغ في الخطاب ،يجب ان يكون الخطاب رسالة قوية لليبيين انفسهم يجب ان ُنبه الليبيين ان قوة الداخل الليبي تمنع أي انزلاق نحو الهاوية ، يجب ان يكون الخطاب غداً كالصفعة القوية التي تعيد قطار الدولة إلى مسارها الصحيح .

أتمنى أن يُدرك من هم على سدة الحُكم هذه النقطة

مذكرات شيرين عبادي كما قرأتُها

abadi

أدرك أن تدوينتي هذه بعيدة كل البعد عن أخبار ليبيا الآن، لكنني أكتبها رغم ذلك لأني أعتقد أن القارئ لواقع الثورات يُدرك أنها غالباً ما تتشابه في الكثير من انحرافاتها وعثراتها، ولأن مراجعة التاريخ قد تعطينا بعض الحلول والأجوبة لتفادي تلك العثرات.

البارحة وقع بين يدي كتاب المحامية والناشطة الديمقراطية الإيرانية شيرين عبادي والمعنون “إيران تستيقظ: مذكرات الثورة والأمل“. والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للسيدة الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2003، وقد ترجمه إلى العربية الصحفي اللبناني حسام عيتاني وصدر عن دار الساقي للنشر في العام 2009. وللعلم، فإن تدوينتي هذه بريئة  تماماً من أي محاولة لقراءتها كإسقاط لما حدث في إيران على واقع أي ثورة حدثت أو مازالت مستمرة في ربيعنا العربي. هو فقط شيء أردتُ مشاركتكم به.

بدايةً يجب أن تدرك أنك حين تقرأ الكتاب لا تشعر أنك أمام نص معتاد يتناول السيرة الذاتية لأحدهم، ولا تشعر كذلك أنك تتصفح كتاباً يؤرخ المراحل التي مرت بها إيران منذ إسقاط رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مُصدق وصولاً إلى هروب الشاه ومن ثم قيام ما يعرف بـ”الجمهورية الإسلامية الأيرانية” في العام 1979. وذلك على الرغم من أن الكتاب يحوي من التفاصيل ما يُمكّنك من قراءة تجارب شخصية مهمة وفي الوقت نفسه تلخيص رؤية مُعينة حول تلك الفترة التاريخية من عمر إيران الحديثة. لكن الحقيقة هي أنك في هذا الكتاب تقرأ على الأخص قوة الإرادة التي مكنت شيرين وغيرها من التأقلم مع محيطهم القاسي وإنشاء طرق سلمية من الداخل لإعادة تشكيل الواقع الأيراني. فكيف استطاعت شيرين، رغم الصعوبات، أن تستمر في حمل رسالتها رغم المعوقات التي وضعت أمامها؟ وكيف أيقنت أنها ستُهزم فقط إن جعلت خوفها يُسيطر عليها؟

AFP_101109shirin-ebadi-droits-humains_g
Photo © AFP/John Thys

تلتفت بعد ذلك شيرين لتتحدث عن النظام الأمني الذي خلقته “الجمهورية الإسلامية”. نظام أمني يشي فيه الجار بجاره والصديقة بصديقتها ورفيق العمل بمن يعمل معهم. أدى ذلك لتكون كتلة صماء من مشاعر الشك الذي نتج عن تقوقع الجميع درءاً للمخاطر، كما أدى إلى خلل في العلاقات الاجتماعية مع مرور الوقت. ولعلنا نحن الذين عشنا في ظل نظام أمني شبيه بنظام إيران نعد أكثر الناس إدراكاً لمدى قسوة الشعور بانعدام الأمان حتى مع من يرتبطون معنا بروابط الدم. القارىء لكتاب شيرين يُدرك كذلك، حقيقةً، كيف أننا نحن العرب استسهلنا إطلاق وصف “ناشط حقوقي” أو “ناشط سياسي” على أي كان؛ هذا اللقب الذي كلف شيرين ما يقرب من 30 عاماً من العمل والتحدي والعناد في وجه السلطة الإيرانية ومن داخل البلاد كذلك، حرصاً منها على وطنها وإيماناً منها بأن أي إصلاح سيكون أكثر نجاعة إن كان من الداخل.

في نهاية الكتاب تتحدث شيرين عن المحاولات الإصلاحية لنظام الرئيس خاتمي ومحاولته مجابهة نظام ديني مبني على الخرافة. وأنه، للأسف، كان يحتاج لدعم شعبي أكثر حتى يتمكن من إحداث التغيير، وهذا ما لم يُدركه الشعبالذي فرح لانتخابه وحلم أنه سيتمكن من رؤية إيران دولة حرة وديمقراطية في القريب، ثم عاد أفراده إلى منازلهم وناموا!

بعدها تتحدث شيرين عن زهراء كاظمي، الصحفية الإيرانية التي قتلت تحت التعذيب وأصبحت قضيتها مثاراً للجدل، وكانت أول قضية يعترف بها النظام بعد محاولات يائسة لإخفاء فعلتهِ. في آخر الكتاب تتحدث شيرين عن جائزة نوبل عن صراعها لمحاولة نشر كتابها هذا في الولايات المتحدة الأمريكية.

(ملاحظة: تعمدت عدم الإتيان على لفظ “الجمهورية الإسلامية” إلا مرتين وبوضعمها، فوق ذلك، بين مزدوجين دلالة على غرابة المفهوم وعدم قناعتي به. ولا يأتي ذلك من أني لا أؤمن بـ”الإسلام السياسي” أو بوجوب وجود علاقة بين الدين والسياسة، إنما لأني لا  أرى في جمهورية إيران (ولا في غيرها) أي شيء إسلامياً. لكني لا أنكر أنني لا زلت أبحث عن الآلية “الصحيحة” للتطبيق الفعلي لمفاهيم الإسلام الحق في السياسة وإدارة الدول).

آراء الشارع الليبي حول إعلام مابعد الثورة

الثورة التي بدأت سلمية في 17 من فبراير عام 2011 ثم تحولت إلى ثورة مسلحة ،لم تكن الثورة الوحيدة التي مرت بها ليبيا وإن كانت ابرزها . الإعلام كان له ثورته الخاصة أثناء الثورة وبعد التحرير. مئات الشباب انخرطوا في العمل الإعلامي كمتطوعين لا يمتلكون الأرضية اللازمة لخلق أعلام ينافس الإعلام في الدول العربية خصوصا تلك الدول التي مر بها الربيع العربي رغم مرور سنتين على الثورة في ليبيا ..هذه إحدى الأسباب التي يفسر بها بعض الشباب العامل في القطاع الإعلامي مستواهم الذي لا يرتقي عن الهواية، و لا يجدون حرجاً في التأكيد أن عدم متابعة الشارع الليبي للإعلام المرئي خصوصاً عائد حسب رأيهم لعدم قدرة الإعلام على الارتقاء إلى مستوى الأداء المهني المطلوب.

رجل ستيني يتصفح كم هائل من الجرائد المرتبة خارج أحدى المكتبات ..ينظر بتمعن للعناوين الرئيسية ،يقلب صحيفة ويتركها وتلتقط يده صحيفة أخرى ..وهكذا .. رجل يُقلب قنوات التلفاز يمر مسرعاً ليتجنب القنوات الليبية التي لا تحمل في طياتها إلا اجندات سياسية لأحزاب ولا تهتم بشؤون المواطنين كما يقول . فهل يرى الجميع أن خطوط التحرير موجهة ؟ وما هي الحلول للخروج بالإعلام من الأزمة ؟ …
وفي محاولة منا لاستقصاء آراء الشارع الليبي حول المشهد الإعلامي، كان لنا جولة في شوارع العاصمة طرابلس
..
“شبه إجماع على أن التغير طفيف والنقائص في الخبرة

وكان أول لقاء لنا مع السيد “طاهر عبدالله المحيشي ” رجل تجاوز الخمسين رأيناه يُقلب الصحف الليبية ..فبادرنا بسؤاله عن تقييمه لمستوى الصحف الليبية فقال “مستوى الصحف الليبية مقبول و هناك تطور ولكن بطيء “. أما عن الإعلام المرئي فيرى السيد طاهر أن “الفرص كبيرة ولكن نقص الخبرة عند من يديرون الماكينة الإعلامية في ليبيا “. وطلبنا من السيد الطاهر أن يتخيل أنه يصبح يوما وزيراً للأعلام في ليبيا وأن يتصور ما هي أولى الخطوات التي قد يتخذها لتحسين الإعلام فأجاب ” سأقوم بتهيئة الكفاءات الإعلامية من خلال اخضاعها لدورات مكثفة تجعلها مؤهلة للعمل في المجال الإعلامي وخصوصاً أن أغلب العاملين في الإعلام هواة “.
http://youtu.be/5r1NTvykcOA

وبعدها التقينا بالسيد نجم الدين الذي أعرب عن سخطه من الإعلام الليبي فيشبهه بالإعلام الموجود قبل الثورة . وقال “عندما حاولت قراءة الصحف ومتابعة القنوات شعرت وكأنني لا زلت في حقبة القذافي للسنة 44 “.

http://www.youtube.com/watch?v=rT0UYhsleio

عبد الحكيم وهو شاب يبلغ 27 ..يطالع في صحف معينة مثل صحيفة فبراير وهي صحيفة حكومية يومية واعتبرها أشخاص آخرون تحدثنا معهم مقبولة وذات اتجاه وطني ..أما بالنسبة للقنوات الليبية يعتبرها قنوات لا تمتلك المصداقية وانتقد طريقة بعض القنوات في طرح المواضيع وطريقة طرح الأسئلة وطريقة التفاعل مع الخبر وبالمجمل قال حكيم “أنه يعتبره أفضل من الإعلام السابق آملاً أن يتحسن الإعلام ويبتعد عن التسيس ويكون الإعلام هو صوت المواطن فقط ،محمد صديقة وافقه أن كل القنوات تتشابه في برامجها
واعتبر أن القنوات الليبية بعد الثورة لم يتغير فيها ألا الوجوه أما المضمون والأداء فكما هو

http://youtu.be/TVWgdbcFSO4

تحسن يبشر بخير بشرط صياغة قانون للصحافة

أما السيد محمد محمود عبيد ..فأعرب عن سعادته وانبهاره بعد سنوات الديكتاتورية وتكبيل الحريات ، بالثورة الإعلامية الحاصلة في ليبيا والكم الهائل من الصحف التي تصدر يومياً وأسبوعياً ولكن بالنسبة له هناك صحف معينة يُطالعها بانتظام وتحدث السيد محمد “عن الضعف التقني في مجال الأعلام المكتوب و ضعف و ضحالة المواضيع المتناولة من بعض الصحفيين ،أما الإعلام المرئي تكلم عن “استخدام القنوات من اجل دعم اتجاه سياسي معين ”
ويري أن أول الخطوات التي يجب إتخذها من أجل الرقي بمستوى الإعلام هو “إصدر قانون يحمي الصحفيين الا في حالات معينة مثل التشهير والذم والقدح بدون دليل ، والصحفي الذي يبيع قلمه ..وقانون كهذا بالنسبة للسيد محمد سيمكن الصحفي من الكتابة وكشف الفساد دون الخوف من أي شيء “..

http://youtu.be/o0SCJfiICM0