مذكرات شيرين عبادي كما قرأتُها

abadi

أدرك أن تدوينتي هذه بعيدة كل البعد عن أخبار ليبيا الآن، لكنني أكتبها رغم ذلك لأني أعتقد أن القارئ لواقع الثورات يُدرك أنها غالباً ما تتشابه في الكثير من انحرافاتها وعثراتها، ولأن مراجعة التاريخ قد تعطينا بعض الحلول والأجوبة لتفادي تلك العثرات.

البارحة وقع بين يدي كتاب المحامية والناشطة الديمقراطية الإيرانية شيرين عبادي والمعنون “إيران تستيقظ: مذكرات الثورة والأمل“. والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للسيدة الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2003، وقد ترجمه إلى العربية الصحفي اللبناني حسام عيتاني وصدر عن دار الساقي للنشر في العام 2009. وللعلم، فإن تدوينتي هذه بريئة  تماماً من أي محاولة لقراءتها كإسقاط لما حدث في إيران على واقع أي ثورة حدثت أو مازالت مستمرة في ربيعنا العربي. هو فقط شيء أردتُ مشاركتكم به.

بدايةً يجب أن تدرك أنك حين تقرأ الكتاب لا تشعر أنك أمام نص معتاد يتناول السيرة الذاتية لأحدهم، ولا تشعر كذلك أنك تتصفح كتاباً يؤرخ المراحل التي مرت بها إيران منذ إسقاط رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مُصدق وصولاً إلى هروب الشاه ومن ثم قيام ما يعرف بـ”الجمهورية الإسلامية الأيرانية” في العام 1979. وذلك على الرغم من أن الكتاب يحوي من التفاصيل ما يُمكّنك من قراءة تجارب شخصية مهمة وفي الوقت نفسه تلخيص رؤية مُعينة حول تلك الفترة التاريخية من عمر إيران الحديثة. لكن الحقيقة هي أنك في هذا الكتاب تقرأ على الأخص قوة الإرادة التي مكنت شيرين وغيرها من التأقلم مع محيطهم القاسي وإنشاء طرق سلمية من الداخل لإعادة تشكيل الواقع الأيراني. فكيف استطاعت شيرين، رغم الصعوبات، أن تستمر في حمل رسالتها رغم المعوقات التي وضعت أمامها؟ وكيف أيقنت أنها ستُهزم فقط إن جعلت خوفها يُسيطر عليها؟

AFP_101109shirin-ebadi-droits-humains_g
Photo © AFP/John Thys

تلتفت بعد ذلك شيرين لتتحدث عن النظام الأمني الذي خلقته “الجمهورية الإسلامية”. نظام أمني يشي فيه الجار بجاره والصديقة بصديقتها ورفيق العمل بمن يعمل معهم. أدى ذلك لتكون كتلة صماء من مشاعر الشك الذي نتج عن تقوقع الجميع درءاً للمخاطر، كما أدى إلى خلل في العلاقات الاجتماعية مع مرور الوقت. ولعلنا نحن الذين عشنا في ظل نظام أمني شبيه بنظام إيران نعد أكثر الناس إدراكاً لمدى قسوة الشعور بانعدام الأمان حتى مع من يرتبطون معنا بروابط الدم. القارىء لكتاب شيرين يُدرك كذلك، حقيقةً، كيف أننا نحن العرب استسهلنا إطلاق وصف “ناشط حقوقي” أو “ناشط سياسي” على أي كان؛ هذا اللقب الذي كلف شيرين ما يقرب من 30 عاماً من العمل والتحدي والعناد في وجه السلطة الإيرانية ومن داخل البلاد كذلك، حرصاً منها على وطنها وإيماناً منها بأن أي إصلاح سيكون أكثر نجاعة إن كان من الداخل.

في نهاية الكتاب تتحدث شيرين عن المحاولات الإصلاحية لنظام الرئيس خاتمي ومحاولته مجابهة نظام ديني مبني على الخرافة. وأنه، للأسف، كان يحتاج لدعم شعبي أكثر حتى يتمكن من إحداث التغيير، وهذا ما لم يُدركه الشعبالذي فرح لانتخابه وحلم أنه سيتمكن من رؤية إيران دولة حرة وديمقراطية في القريب، ثم عاد أفراده إلى منازلهم وناموا!

بعدها تتحدث شيرين عن زهراء كاظمي، الصحفية الإيرانية التي قتلت تحت التعذيب وأصبحت قضيتها مثاراً للجدل، وكانت أول قضية يعترف بها النظام بعد محاولات يائسة لإخفاء فعلتهِ. في آخر الكتاب تتحدث شيرين عن جائزة نوبل عن صراعها لمحاولة نشر كتابها هذا في الولايات المتحدة الأمريكية.

(ملاحظة: تعمدت عدم الإتيان على لفظ “الجمهورية الإسلامية” إلا مرتين وبوضعمها، فوق ذلك، بين مزدوجين دلالة على غرابة المفهوم وعدم قناعتي به. ولا يأتي ذلك من أني لا أؤمن بـ”الإسلام السياسي” أو بوجوب وجود علاقة بين الدين والسياسة، إنما لأني لا  أرى في جمهورية إيران (ولا في غيرها) أي شيء إسلامياً. لكني لا أنكر أنني لا زلت أبحث عن الآلية “الصحيحة” للتطبيق الفعلي لمفاهيم الإسلام الحق في السياسة وإدارة الدول).